عن كراكيب

على عكس ما يبدو الحال عليه في المدرسة، فإن التعلم أكثر “فوضويةً” مما نظن. عملية التعلم مليئة باللحظات غير المتوقعة… مليئة بتلك اللحظات التي نجد فيها أنفسنا وقد وصلنا إلى حافة أفهامنا، وصار علينا أن نجرب ونعبث ونختبر بما بين أيدينا لندفع بأفهامنا قدمًا لتخترق حجب الجهل. لا مكان محدد لحدوث التعلم: في المدرسة والمسجد، وعلى قارعة الطريق وطاولة الطعام. هو كذلك شخصي ومرتبط بما نحوزه من اهتمامات. هذه الحال الظاهرة من الفوضى والعبث والاهتمامات، ليست سوى الوسيط الذي يجري عبره التعلم النشط.

من هنا اسمنا: كراكيب… تلك الأشياء التي تحوز على اهتمام الأطفال وتثير فضولهم، ويستكشفون من خلالها أنفسهم واهتماماتهم والعالم من حولهم. قد لا يستطيعون إجابة المتسائلين عن أهميتها، ولكنهم يدركون أنها تعني لهم الكثير. قد توحي بالفوضى، ويعثرون عليها في كل مكان، ولا كيفية محددة لاستخدامها.

كراكيب ملتزمة تجاه قضية الربيع الشامي. جمهورنا الأول النشء الذين تأثروا بأحداثه، وهدفنا تمكينهم. ما يعود علينا في أنشطتنا من أدوات وخبرات ومشاهدات يستخدم بشكل كبير لتطوير المزيد من الأدوات والأنشطة والدراسات التي تخدم الهدف ذاته.

فلسفتنا في التعلُّم: التعلم وبناء المرونة النفسية معًا

عندما نصمم برامج تعليمية للنشء السوري، فإننا نأخذ عاملين بعين الاعتبار:

  • التعليم، بشكل ما، هو محاولة منا للتنبؤ بالمستقبل: أن نتنبأ بما سيحتاجه أطفالنا في العقود القادمة لنعدَّهم له اليوم. هذه مهمة عسيرة في الظروف العادية، خلا ظروف المجتمع السوري اليوم، حيث من المتعذر استشراف ما تحمله الأيام القليلة القادمة على مستوى أبسط الاحتياجات وأكثرها أساسيةً. فتحصيل المعارف والمعلومات ليس كافيًا للنجاح في عالم اليوم، بل يلزمه بناء القدرة على التعلم المستمر والإتيان بحلول إبداعية للمشاكل غير المتوقعة التي تواجههم كل يوم.
  • ليست المشكلة الأكبر التي يواجهها الأطفال في المجتمعات التي تعيش حظًا من الأزمات هي نقص التعليم، وإنما البيئات غير المستقرة التي يشبُّون فيها والعلاقات المتوترة التي تربطهم بمن حولهم، مما يترك أثرًا سلبيًا كبيرًا على تحصيلهم المعرفي وقدراتهم الذهنية وصحتهم وسلوكهم. فهم لذلك بحاجة إلى التعبير عن أنفسهم وأفكارهم في بيئة آمنة مبنية على علاقات من التعاون بحيث يبنون ثقتهم بأنفسهم – بأفكارهم ومشاعرهم وقدراتهم – و بمن حولهم.

التعلم عملية نشطة نبني فيها المعنى لأنفسنا، وليست عمليةً سلبيةً نقوم فيها بمجرد تلقي المعارف التي تصب في رؤوسنا. يلعب الإخبار والشرح دورًا صغيرًا في عملية التعلم، إذ يبني المتعلمون المعاني لأنفسهم ويؤسسون العلاقات بين المعارف المختلفة، فيما دور المعلم – أو الميسِّر – أن يهيئ البيئة لاستكشاف الأفكار وعرضها ونقاشها. عندما يصبح الأطفال أكثر مشاركةً في عملية التعلم فستتاح لهم فرصة ربط ما يتعلمونه باحتياجاتهم، وبذلك يصبحون أكثر ثقةً بأنفسهم وبقدراتهم على التعلم. وسيؤدي ذلك على المدى البعيد إلى أن يتعلم هؤلاء الأطفال كيف يتعلمون، وتلك هي المهارة الأكثر أهميةً ليتعلموها في عالم تغيراته متسارعة وغير متوقعة.

هذا الأسلوب في التعلم الذي يجعل المتعلم في المركز شبيه بأسلوب في التدخل في الأزمات ينظر إلى أن الناجين يمتلكون أدواتهم وخبراتهم الخاصة التي تعينهم على تجاوز ما مروا به. فيما دور المتدخل أو المعالج فهو ليس المنقذ ذا القدرات الخارقة أو الخبير ذا المعرفة البالغة، بل دوره مساعدة الناجين على الوصول بأنفسهم إلى الحلول التي تناسبهم.

هذان الأسلوبان في التعلم والدعم يشتركان بعاملين هامين هما:

  • النظر إلى المتعلمين والناجين كأناس نشطين يستطيعون بناء المعرفة والمرونة النفسية لأنفسهم. ليس أولئك بحاجة إلى من يصب المعلومات في رؤوسهم أو ينقذهم، ولكن إلى من يمكِّنهم ويدعمهم ليأخذوا بزمام الأمور.
  • كلا الأسلوبين يعتمد على تأسيس بيئات توفر الأمان والاحترام حيث يستطيع الناس مشاركة وتبادل الأفكار والرؤى والمشاعر.

هذان العاملان المشتركان هما ما تقارب بهما كراكيب مغامرة التعلم دون إهمال التحدي النفسي الاجتماعي، لتكون برامجنا مساحةً للتعلم توفر الأمان والاحترام حيث يستطيع النشء تعلم مهارات وبناء خبرات تمس اهتماماتهم واحتياجات مجتمعهم، وذلك فيما يعبرون عن أنفسهم وأفكارهم بانين علاقات طيبةً بمن حولهم ومستعيدين مرونتهم النفسية.

عبد الرحمن يوسف إدلبي

  • باحث واستشاري في مجالات التعلم الإبداعي وتعليم أطفال اللاجئين وتقنيات التعليم، مقيم في تركيا.
  • يعمل في تطوير أنشطة وبيئات تعليمية منذ عام 2007، في المدارس وخارجها، في سوريا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا.
  • عضو في فريق تطوير سكراتش Scratch بين عامي 2012 و 2014.
  • يبحث منذ عام 2013 الأساليب المثلى للتعلم الإبداعي في ظل الثورة السورية بما يوافق ظروف المجتمعات المحلية وحاجاتها وتطلعاتها، وكيف يمكن لذلك المساهمة بشكل إيجابي في بناء المرونة النفسية للأطفال، ويطور البيئات والأساليب وبرامج التدريب اللازمة لذلك.
  • يحمل شهادة الإجازة في هندسة الحاسب من جامعة دمشق (2009)، وشهادة الماجستير من جامعة MIT الأمريكية (2014) حيث درس وعمل في مجال علوم التعلّم.