كيف يخفق الأطفال: ملخص

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنت قد بدأت في تدوينة قديمة استعراض كتاب كيف يُخفق الأطفال من تأليف جون هولت، وهو يعتبر من الكتب الكلاسيكية في مجال إصلاح التعليم أو التعلم خارج المدرسة.

فيما يلي ترجمة الفصل الأخير من الكتاب، والذي يورد فيه هولت ملخصًا لطرحه الذي ينتقد فيه المدرسة والعملية التعليمية التي تجري فيها:


عندما نتحدث عن الذكاء فإننا لا نعني القدرة على الحصول على درجة جيدة في نوع معين من الاختبارات أو حتى القدرة على الأداء الجيد في المدرسة، فهذه في أفضل أحوالها ليست سوى مؤشرات على شيء أكبر وأعمق وأكثر أهميةً بكثير. إننا نعني بالذكاء نمط حياة وأسلوبًا في التصرف في مختلف المواقف، وتحديدًا في المواقف الجديدة والغريبة والمحيرة. إن الاختبار الحقيقي للذكاء ليس في مقدار ما نعرف كيفية القيام به، وإنما في كيفية تصرفنا عندما لا نعرف ما علينا القيام به.

إن الشخص الذكي، صغيرًا كان أم كبيرًا، عندما يواجه موقفًا أو معضلةً جديدة فإنه ينفتح نحوها، فيحاول أن يتلقف بذهنه وحواسه كل ما يمكنه حيالها، ويفكر بها بدل التفكير بنفسه وما يمكن أن تسببه له، ويشتبك معها بجرأة وسعة حيلة وخيال متقد، وإن لم يكن بشكل مفعم بالثقة فبالأمل على الأقل. أما إن أخفق في امتلاك زمام الموقف أو المعضلة فإنه ينظر إلى أخطائه دون خجل أو خوف ويتعلم منها ما يستطيع. هذا هو الذكاء، والذي من الواضح أن جذوره مغروسة في شعور معين تجاه الحياة وتجاه النفس فيما يخص الحياة. من الواضح كذلك أن الغباء ليس ما يبدو أن معظم علماء النفس يفترضونه من أنه امتلاك قدر أقل من الذكاء، وإنما هو سلوك مختلف كليًا نابع عن مجموعة مختلفة تمامًا من التوجهات.

لقد أظهرت لي سنوات من مراقبة ومقارنة الأطفال الأذكياء بأولئك الذين ليسوا كذلك أو الأقل ذكاءً أنهم ينتمون إلى أصناف مختلفة تمامًا من الناس. ينتاب الطفل الذكي فضول حيال الحياة والواقع، وهو متلهف دومًا للتواصل معهما وتبنيهما والاتحاد بهما، ولا يفصله عن الحياة جدار أو عائق. أما الطفل غير الذكي فهو أقل فضولًا بكثير، وأقل اهتمامًا بكثير بما يجري وبما هو واقعي، وأكثر ميلًا إلى العيش في عوالم من الوهم. يحب الطفل الذكي التجريب واختبار الأشياء، ويدرك أن هناك سبلًا متعددة للوصول إلى الغاية نفسها، فإن لم يسعه القيام بأمر وفق طريقة ما فلن يعجزه أن يجرب أخرى. أما الطفل غير الذكي فخائف عادةً من محاولة التجريب ابتداءً، وسيتطلب الأمر الكثير من الحض لجعله يحاول ولو لمرة واحدة فحسب، وإن لم تفلح تلك المحاولة فإن الأمر سيكون منتهيًا بالنسبة له.

الطفل الذكي صبور، ويمكنه التسامح مع الإخفاق وعدم اليقين، وسيستمر بالمحاولة حتى الحصول على إجابة. أما إن أخفقت كل محاولاته وتجاربه فبوسعه الاعتراف لنفسه وللآخرين بأنه لا يستطيع التوصل إلى إجابة في الوقت الراهن. قد يزعجه ذلك ولكن بوسعه الانتظار، ولن يرغب في كثير من الأحيان بأن يخبره أحد بكيفية حل المعضلة أو الأحجية التي يكابدها لأنه لا يريد أن يُحرم من فرصة إيجاد الحل بنفسه مستقبلًا. ولكن الطفل غير الذكي ليس كذلك، إذ لا يستطيع احتمال الإخفاق أو عدم اليقين، ولا يرى السؤال الذي لا إجابة له كتحدٍ أو فرصة وإنما كتهديد. فإن لم يستطع إيجاد الإجابة بنفسه سريعًا فينبغي أن يُعطى له سريعًا كذلك، وينبغي أن تكون عنده إجابات لكل شيء. عن مثل هؤلاء الأطفال أخبرتني إحدى معلمات الصف الثاني ذات مرة: ”ولكن أطفالي يحبون أن توجه إليهم أسئلة ذات إجابة وحيدة.“ لقد أحبوا ذلك فعلًا، وبمصادفة غامضة، كانت هي أيضًا كذلك.

الطفل الذكي مستعد للمضي قُدمًا اعتمادًا على فهم أو معلومات غير مكتملة، وسوف يقتحم المخاطر ويبحر في المجهول ويتابع الاستكشاف حتى عندما تكون التضاريس غامضة والمعالم مبهمة والنور خافتًا. ولأعطيك مثالًا واحدًا فحسب، فإن هذا الطفل سيقرأ عادةً كتبًا لا يفهمها والأمل يحدوه بأنه وبعد فترة من القراءة سيتشكل لديه ما يكفي من الفهم لجعل الأمر يستحق المتابعة. بهذه الروح حاول بعض طلابي في الصف الخامس قراءة رواية موبي دك [والتي قد تكون صعبة حتى على الطلاب في المرحلة الثانوية]. ولكن الطفل غير الذكي لن يمضي إلا عندما يعتقد أنه يعرف بالضبط أين يضع قدميه وما الذي سيواجهه. وإن لم يشعر بأنه يعرف تمامًا ما ستكون عليه تجربة ما وإن لم تكن مماثلةً تمامًا للتجارب الأخرى التي يعرفها مسبقًا فإنه لن يرغب بأي دور فيها. إذ بينما يشعر الطفل الذكي بأن الكون بالمجمل مكان معقول ومنطقي ويمكن الوثوق به، فإن غير الذكي يشعر بأنه غير منطقي وغدار ولا يمكن التنبؤ به. إن غير الذكي يشعر بأنه لا يستطيع التنبؤ بما سيحدث على الإطلاق، وخاصةً عندما يكون في مواجهة موقف جديد، باستثناء توقعه أن ما سيحدث سيكون سيئًا على الأرجح.

لا أحد يبدأ حياته غبيًا. ما عليك سوى مراقبة الصغار في سنواتهم الأولى والتفكير جديًا بما يتعلمونه جميعًا ويفعلونه، وستجد أنهم — باستثناء أولئك المعاقين بشكل بالغ — يبدون أسلوبًا في الحياة ورغبةً في التعلم وقدرةً عليها لو رأيناها في بالغ لوصفناه بأنه عبقري. بالكاد يستطيع واحد من ألف من البالغين، أو حتى من عشرة آلاف، أن يتعلم في ثلاثة أعوام من حياته وينمو في فهمه للعالم بالقدر الذي يتعلم به كل طفل وينمو في أعوامه الثلاثة الأولى. لكن ما الذي يحدث لهذه القدرة الهائلة على التعلم والنمو الذهني عندما نكبر؟

ما يحدث هو أنها تُدمَّر، والعامل الأساسي في ذلك هو العملية التي نسميها خطأً ”تربويةً“ أو ”تعليميةً“ — وهي عملية تجري في معظم البيوت والمدارس. نحن البالغين ندمر معظم هذه القدرة الذهنية والإبداعية لدى الأطفال بما نفعله نحوهم أو نجبرهم على فعله. نحن ندمر هذه القدرة في المقام الأول من خلال جعلهم خائفين — خائفين من عدم فعل ما يريده الآخرون ومن عدم إرضائهم، ومن ارتكاب الأخطاء ومن الإخفاق، وخائفين من كونهم على خطأ. وبذلك نجعلهم خائفين من المخاطرة وخائفين من التجريب وخائفين من محاولة الصعب وارتياد المجهول. وحتى عندما لا نكون نحن من صنع مخاوف الأطفال، أي عندما يأتوننا وهذه المخاوف لديهم أصلًا، فإننا نستغل مخاوفهم ونستخدمها كوسيلة للتحكم بهم وجعلهم يفعلون ما نريد. وبدل محاولة تخفيف مخاوفهم فإننا ننميها إلى حجم مرعب عادةً، وذلك لأننا نحب الأطفال الذين يرهبوننا والذين يتسمون بالانقياد والأدب، دون أن يكونوا خائفين بالطبع إلى حد ظاهر يهدد نظرتنا إلى أنفسنا كأشخاص لطفاء ومحبوبين لا داعي للخوف منهم. ما نجده مثاليًا هو ذاك النوع من الأطفال ”الجيدين“ الذين لا يخافوننا إلا بالقدر الكافي للقيام بكل ما نريده منهم دون جعلنا نشعر بأن ذلك الخوف هو ما يدفعهم للقيام بذلك.

إننا ندمر في الأطفال حبهم المتجرد عن المنفعة (ولا أعني غير المبالي) تجاه التعلم، والذي يكون شديدًا في صغرهم، وذلك من خلال حثهم على العمل طمعًا بمكافآت مثيرة للشفقة والاحتقار — نجوم ذهبية أو بطاقات تقدير أو أوراق وظائف تُعطى درجةً متميزةً لتعلق على الجدار أو علامات تامة في التقارير والجلاءات المدرسية أو مكان في لوحة الشرف — أي باختصار سعيًا إلى الحصول على الرضا الوضيع عن النفس النابع من شعورهم بأنهم أفضل من شخص آخر. إننا نشجعهم على الشعور بأن غاية كل ما يقومون به في المدرسة لا تتجاوز الحصول على درجة جيدة في اختبار أو ترك انطباع جيد لدى الآخرين بما يبدو عليهم معرفته. إننا لا نقتل فضولهم وحسب، وإنما أيضًا إحساسهم بأن امتلاك المرء للفضول والاهتمام أمر جيد وجدير بالاحترام. ولذلك فإن أغلبهم مع بلوغ سن العاشرة لن يسألوا أية أسئلة وسيبدون قدرًا معتبرًا من التذمر والسخط تجاه القلة التي ستقوم بذلك.

إننا نحطم بعدة أشكال قناعات الأطفال بأن الأمور منطقية أو أملهم بأن الأمور سيتبين أنها منطقية. إننا نفعل ذلك في المقام الأول عبر تقسيم الحياة إلى أجزاء اعتباطية وغير مترابطة نسميها موادًا دراسية، والتي نحاول فيما بعد أن نجعلها ”تتكامل“ مستخدمين أساليب مصطنعة ومنبتة الصلة، كجعل الأطفال يغنون أغاني شعبيةً سويسرية أثناء دراستهم جغرافية سويسرا، أو جعلهم يحلون مسائل حسابية عن تقطيع جذوع الأشجار أثناء دراستهم طفولة أبراهام لنكولن. كما أننا نضعهم باستمرار في مواجهة ما هو ملتبس ومتناقض وغير منطقي، والأسوأ من ذلك أننا نقوم بذلك دون أن نعيه، بحيث يُدفع الأطفال إلى تلقف ما هو غير منطقي كما لو كان منطقيًا، وينتهي بهم المطاف إلى الاعتقاد بأن مصدر حيرتهم كامن في غبائهم وليس عائدًا إلى المادة المقدمة إليهم. ولنزيد الطين بلة فإننا نفصل الأطفال عن الحدس السليم وعن عالم الواقع بأن نطلب منهم التعامل مع كلمات ورموز مجردة تحمل إليهم قليلًا من المعنى في أحسن الأحوال. وبذلك نحول الغالبية العظمى من طلابنا إلى صنف من الناس لا تحمل الرموز لهم أي معنى، والذين لا يستطيعون استخدام الرموز كوسيلة للتعلم عن الواقع والتعامل معه، والذين لا يستطيعون فهم ما هو مكتوب، والذين حتى لو قرؤوا كتبًا فإنهم ينهونها وليس لديهم من المعرفة أكثر مما بدؤوا به، والذين قد تعلق بعض الكلمات الجديدة بأذهانهم ولكن صورهم عن العالم تبقى دون تغيير — وتبقى في الحقيقة عصيةً على التغيير.

أما القلة من الطلاب الجيدين المقتدرين فمن الراجح تمامًا أن يتحولوا إلى شيء مختلف ولكن مماثل في الخطر: صنف من الناس يمكنهم التلاعب بالكلمات والرموز بطلاقة مع الإبقاء على أنفسهم منفصلين إلى حد كبير عن الواقع الذي تمثله؛ صنف من الناس يحبون استخدام تعميمات كبيرة في حديثهم ولكنهم يلتزمون الصمت أو يبدون امتعاضهم لو طلب أحد منهم مثالًا عما يتحدثون عنه؛ صنف من الناس يركِّب ويستخدم في نقاشاته لشؤون العالم كلمات وعبارات مثل ”ميغا جثة“ و ”ميغا وفية“ * دون أدنى تأمل في الدماء والمعاناة التي تستبطنها هذه الكلمات.

إننا نشجع الأطفال على التصرف بغباء، ليس عبر جعلهم خائفين وحائرين فحسب، وإنما أيضًا عبر إضجارهم بملء أوقاتهم بمهام رتيبة مملة تستدعي أقل القليل من اهتمامهم وتتطلب أقل القليل من ذكائهم — أو حتى لا شيء منهما على الإطلاق. إن قلوبنا تكاد تقفز بهجةً لمرأى غرفة ملأى بالأطفال المنكبين على مهمة ما مفروضة عليهم، ولن تكون إلا أكثر سعادةً ورضًا إن أخبرنا أحدهم أن الأطفال لا يحبون ما يقومون به في حقيقة الأمر. إننا نخبر أنفسنا بأن هذا الكد الحثيث الذي لا نهاية له هو إعداد جيد للحياة، ونخشى أن يصبح الأطفال دونه صعبي ”الانقياد“. ولكن لماذا على هذا الكد أن يكون مضجرًا هكذا؟ لم لا نكلفهم بمهام مثيرة للاهتمام ومتطلبة لجهدهم وتفكيرهم؟ لأننا في مدارسنا، التي تستلزم أن تكون كل مهمة مستكملةً وكل إجابة صحيحةً، إن كلفنا الأطفال بمهام أكثر تطلبًا فإنهم سيخافون وسيصرون على أن نريهم كيفية القيام بالأمر. عندما تكون لديك دونمات من الورق عليك تأشير الخيارات الصحيحة فيها فلن يكون لديك من الوقت ما تضيعه في رفاهية التفكير. وعبر هذه الوسائل تترسخ في الأطفال عادة استخدام جزء صغير فحسب من قدراتهم الذهنية. إنهم يشعرون بأن المدرسة مكان ينبغي عليهم فيه قضاء معظم وقتهم في أداء مهام مملة بطريقة مملة، ولن يمر وقت طويل قبل أن يكونوا قد غاصوا عميقًا في مستنقع من السلوك غير الذكي، والذي لن يستطيع معظمهم الخروج منه حتى إن رغب بذلك.


إضافةً إلى كونها مكانًا متوترًا، فإن المدرسة تميل أيضًا إلى أن تكون مكانًا يفتقر إلى الصدق. نحن البالغين لا نتسم عادةً بالصدق مع الأطفال، وأكثر ما نكون كذلك في المدرسة. إننا لا نخبرهم بما نعتقده وإنما بما نشعر أن عليهم اعتقاده، أو بما يشعر أناس آخرون بأن عليهم اعتقاده أو بما يخبروننا به. ويجد السياسيون ومجموعات الضغط من السهل اقتلاع أي حقائق أو وقائع أو أفكار يجدونها غير سارة أو غير مناسبة من فصولنا الدراسية وكتبنا ومكتباتنا. وحتى ضمن الحدود التي يسمح بها الآباء والسياسيون ومجموعات الضغط فإننا لن نكون صادقين مع الأطفال، وحتى في أبعد المجالات عن إثارة الجدل فإن تدريسنا والكتب التي نقدمها للأطفال تقدم صورةً مشوهةً وغير أمينة عن العالم.

الحقيقة هي أننا لا نشعر بأن هناك التزامًا أخلاقيًا يفرض علينا أن نكون صادقين مع الأطفال. نحن نشبه المدراء والمتحكمين بغرف الأخبار في واشنطن وموسكو ولندن وباريس وبكين وكل عواصم العالم الأخرى. إننا نعتقد أن حقنا وواجبنا يمليان علينا ألا نقول الحقيقة، بل نقول ما يخدم قضيتنا بأفضل شكل — وهي في حالنا هذه قضية جعل الأطفال يكبرون ليصبحوا من الصنف الذي نريد منهم كونه وجعلهم يعتقدون ما نشاء منهم اعتقاده أيًا كان. ما علينا سوى أن نقنع أنفسنا (ونحن نقتنع بسهولة بالغة بالمناسبة) بأن كذبةً ستكون ”أفضل“ للأطفال من الحقيقة، ولسوف نكذب. حتى أننا لسنا بحاجة إلى ذلك العذر دومًا، إذ سنكذب عادةً لمجرد أن ذلك يوافق هوانا.

الأسوأ من ذلك هو أننا لسنا صادقين بخصوص أنفسنا: بخصوص مخاوفنا ومحدوديتنا وضعفنا وانحيازاتنا ودوافعنا. إننا نقدم أنفسنا للأطفال كما لو كنا آلهة، كليي العلم، كليي القدرة، عقلانيين على الدوام، عادلين على الدوام، على صواب مطلقًا. وهذا أسوأ من أي كذبة يمكننا أن نقولها عن أنفسنا. لطالما صدمت المعلمين بإخبارهم أنه حينما يسألني الأطفال سؤالًا لا أعرف إجابته فإني أقول: ”ليس لدي أدنى فكرة،“ أو أنني عندما أرتكب خطأً، كما أفعل عادةً، فإني أقول: ”لقد زللت ثانيةً،“ أو أنني عندما أحاول القيام بشيء لا أجيده كالرسم بالألوان المائية أو عزف الكلارينيت أو البوق فإنني أقوم به أمامهم كي يكون بوسعهم رؤيتي وأنا أكابده ويمكنهم حينئذ إدراك أن الكبار لا يجيدون القيام بكل شيء. وعندما يطلب مني طفل القيام بأمر لا أرغب بالقيام به فإني أخبره بأني لن أفعل لأني لا رغبة لي بذلك، بدل إعطائه قائمةً بأسباب تبدو أكثر وجاهةً كما لو كانت صادرةً عن المحكمة العليا. ولعل من المثير للاهتمام أن هذه الطريقة الصريحة في التعامل مع الأطفال تعمل بشكل جيد تمامًا. فلو أخبرت طفلًا أنك لن تفعل أمرًا ما لأنك لا ترغب بذلك فمن المحتمل جدًا أن يقبل ذلك كحقيقة لا تحتمل الجدال، ولو أنك طلبت منه التوقف عن فعل أمر ما لأنه يدفعك إلى حافة الجنون فهناك فرصة طيبة أن يتوقف دون الحاجة إلى مزيد من الكلام لأنه يعرف ماهية هذا الشعور.

إننا فوق كل شيء نفقر إلى الصدق في مشاعرنا، وهذا الحال من غياب الصدق في المشاعر هو ما يجعل الجو في كثير من المدارس كريهًا إلى حد كبير. إن من يكتبون الكتب التي على المعلمين قراءتها يقولون مرارًا وتكرارًا أن على المعلم أن يحب كل الأطفال في الصف، ويحبهم كلهم بشكل متساوٍ. لو كانوا يعنون بهذا أن على المعلم أن يقوم بأفضل ما بوسعه تجاه كل طفل في الصف، وأن قدرًا متساويًا من المسؤولية يقع على عاتقه تجاه مصلحة كل طفل، وأن عليه إبداء اهتمام متساوٍ بمشاكلهم، لكانوا محقين في ذلك. ولكنهم حينما يتحدثون عن الحب لا يعنون هذا، وإنما يعنون المشاعر وحرارة العاطفة، أي ذلك النوع من السعادة والمتعة التي تعود على المرء من وجود شخص آخر وصحبته. هذا ليس شيئًا يمكن قياسه بالملعقة كي يحصل الجميع على جرعات متساوية منه.

قلت مرةً خلال نقاش لهذا الأمر في صف من المعلمين أني أحب بعض الأطفال في صفي أكثر بكثير من آخرين من زملائهم، وأني أخبرت أطفال صفي بذلك دون أن أفصح لهم عمن أحببته أكثر، ففي نهاية المطاف هذا أمر يعرفه الأطفال بغض النظر عما نخبرهم به، ومن العبث أن نكذب حياله. أصاب ذلك المعلمين بالذعر بطبيعة الحال، وقال أحدهم: ”بئس ما قيل! أنا أحب كل أطفالي في صفي بالقدر نفسه بالضبط.“ هراء! المعلم الذي يقول هذا يكذب على نفسه أو الآخرين، وهو على الأرجح لا يحب كثيرًا أيًا من الأطفال. ليس الأمر أن هناك ما يسوء في ذلك، فكثير من الكبار لا يحبون الأطفال وليس هناك سبب يلزمهم بمحبتهم. لكن المشكلة هي شعورهم بأنهم ينبغي عليهم ذلك، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالذنب، مما يؤدي إلى شعورهم بالسخط، وهذا ما يدعوهم بدوره إلى محاولة إزالة شعورهم بالذنب باستخدام التدليل والتعبير عن سخطهم بممارسة القسوة المبطنة التي نراها في الكثير من الصفوف الدراسية. ويجعلهم ذلك فوق كل شيء يتكلفون اللهجة والسلوك المصطنعين والمثيرين للغثيان والابتسامات الزائفة والضحكات العريضة المبالغ بها، والتي يرى الأطفال الكثير منها في المدارس ويكرهونها ويحتقرونها، وهم محقون في ذلك.

وبما أننا غير صادقين مع الأطفال فلن نسمح لهم أن يكون صادقين معنا. فنحن نطالبهم أولًا بالمشاركة في تمثيلية أن المدرسة مكان رائع وأنهم يحبون كل دقيقة فيها. إنهم يتعلمون مبكرًا أن عدم حب المعلم أو المدرسة هو أمر محرم لا ينبغي التحدث عنه أو حتى التفكير فيه. لقد عرفت طفلةً كانت صحيحة الجسد وسعيدةً ومرحةً إلى أن أمرضها القلق في عمر الخامسة لكونها لا تحب معلمتها في الروضة. عمل روبرت هاينمن Robert Heinemann لعدد من السنوات مع الطلاب الذين كانوا بحاجة إلى تعليم تعويضي والذين كانت مدارسهم العادية عاجزةً إلى حد بائس عن التعامل معهم. لقد وجد أن ما خنق أذهان هؤلاء الأطفال وجمدها كان في المقام الأول أنهم لم يكونوا قادرين على التعبير، حتى أنهم كانوا بالكاد يستطيعون الاعتراف بالخوف والمهانة والحنق والكراهية التي أثارتها مدرستهم ومعلموهم فيهم. عندما صار هؤلاء الطلاب في وضع أتيح لهم فيه التعبير بحرية عن هذه المشاعر لأنفسهم وللآخرين أصبحوا قادرين ثانيةً على البدء بالتعلم. لقد اعتدت أن أقول لطلاب الصف الخامس الغاضبين مني: ”القانون يلزمك بالذهاب إلى المدرسة، ولكنه لا يقول أن عليك أن تحبها، ولا يقول أن عليك أن تحبني كذلك.“ قد يجعل ذلك المدرسة أكثر قابليةً للاحتمال بالنسبة للعديد من الأطفال.

يسمع الأطفال هذه العبارة طوال الوقت: ”الأطفال المهذبون لا يقولون أشياء كهذه.“ إنهم يتعلمون في وقت مبكر من حياتهم أنهم، ولأسباب مجهولة، لا ينبغي لهم التحدث عن جزء كبير مما يفكرون ويشعرون به مما هم أشد اهتمامًا به من الأمور أو قلقًا بشأنه. نادر ذلك الطفل الذي يقابل في أي مراحل نموه ولو شخصًا واحدًا أكبر منه يستطيع التحدث معه بصراحة عن أشد ما يثير اهتمامه أو يشغل باله أو يقلقه. هذا ما يشتريه أغنياء القوم لأطفالهم التعسين عندما يرسلونهم إلى الطبيب النفسي مقابل أجر كبير في الساعة، كي يجدوا شخصًا يمكنك التحدث إليه بصدق عما يجول في بالك دون احتمال أن يغضب منك. ولكن هل علينا الانتظار حتى يُطمر الطفل تحت أكوام من مخاوفه ومشاكله كي نعطيه هذه الفرصة؟ وهل علينا أن نأخذ من وقت شخص محترف عالي التدريب لسماع ما كان يمكن لذلك الطفل في وقت أبكر من حياته أن يخبر به أي شخص مستعد للاستماع بتعاطف وصدق؟ وجد العاملون في مشروع اسمه ”أبحاث ناصية الشارع“ في كامبردج بولاية ماساتشوستس الأمريكية أنه لإحداث تغيير كلي في حياة وشخصية عدد من الأحداث الميؤوس منهم في الظاهر لم يلزم أكثر من إتاحة فرصة لهم للتحدث بصراحة وحرية عن أنفسهم وحياتهم مع أشخاص مستعدين للاستماع دون إطلاق أحكام، والمهتمين بهم كبشر وليس كمشاكل ينبغي حلها أو التخلص منها. ألا نستطيع تعلم شيء من هذا؟ أعلينا جعلهم ينتظرون حتى يقعوا في ورطة أو مشكلة كي نعطيهم فرصة البوح بما يفكرون به؟


تكمن خلف معظم ما نقوم به في المدرسة من ممارسات بضعة أفكار يمكن التعبير عنها بشكل تقريبي كما يلي: (1) هناك أجزاء معينة من الجسم الهائل للمعرفة الإنسانية يمكن أن نقول عنها أنها أساسية وعلى الجميع معرفتها. (2) الحد الذي يمكن وفقه اعتبار شخص ما متعلمًا ومؤهلًا للعيش بشكل ذكي في عالم اليوم وليكون عضوًا مفيدًا في المجتمع يعتمد على القدر الذي يحمله من تلك المعارف الأساسية. (3) ولذلك فإن وظيفة المدارس هي أن تصب كل ما يمكن صبه من المعارف الأساسية في رؤوس الأطفال. وهكذا نجد أنفسنا نفرض حقائق ووصفات وأفكارًا معينةً على كل طفل في المدرسة، سواء كان ما نقدمه يثير اهتمامه أم لا، وحتى لو كان ذلك يخيفه أو يثير اشمئزازه، وحتى لو كانت هناك أمور أخرى هو أكثر اهتمامًا بتعلمها.
هذه الأفكار ليست إلا عبثًا سخيفًا ومؤذيًا، ولن نبدأ بأن يكون لدينا تعليم حقيقي أو تعلم حقيقي في مدارسنا حتى نكنس هذا الهراء من طريقنا. على المدارس أن تكون مكانًا يتعلم فيه الأطفال أشد ما يرغبون بمعرفته بدلًا مما نرى أن عليهم معرفته. الطفل الذي يريد معرفة أمر يتذكره ويستخدمه بمجرد امتلاكه، أما الطفل الذي يتعلم أمرًا لإرضاء أو اتقاء شخص آخر فإنه ينساه بمجرد انقضاء الحاجة إلى الإرضاء أو الاتقاء. ولهذا ينسى الأطفال بسرعة كل ما يتعلمونه في المدرسة خلا جزءًا يسيرًا، إذ أنه ليس ذا نفع أو مصدر اهتمام لهم، ولذا لا يريدون ولا يتوقعون أو حتى ينوون تذكره. الفرق الوحيد بين الطلاب الجيدين وأولئك السيئين بهذا الخصوص هو أن الطلاب السيئين ينسون مباشرةً، أما الطلاب الجيدون فحريصون على الانتظار حتى انقضاء وقت الامتحان. وإن لم يكن هناك من أي سبب آخر، فبوسعنا الاستغناء تمامًا عن معظم ما ندرِّسه في المدرسة لأن الأطفال يتخلصون من جله على أي حال.
إن مفهوم المنهاج الدراسي، أي وجود جسم أساسي من المعرفة، سيكون سخيفًا حتى لو تذكر الأطفال كل ما ”علمناهم“ إياه. إننا لا نتفق، ولن نستطيع أن نتفق، على المعارف أيها أساسي. فالمرء الذي تمرَّس في مجال خاص من المعارف أو المهارات يرى، كما هو متوقع منه، أن اختصاصه ينبغي أن يأخذ مكانه في المنهاج. فالباحثون في المجالات الكلاسيكية يريدون أن تُدرَّس اللاتينية أو الإغريقية، والمؤرخون ينادون بمزيد من التاريخ، والرياضيون يطالبون بمزيد من الرياضيات والعلماء بمزيد من العلوم، والخبراء في اللغات الحديثة يريدون أن يُعلَّم الأطفال كلهم الفرنسية أو الإسبانية أو الروسية، وهكذا. الكل يريد أن يرى اختصاصه حاضرًا، مدركًا أنه بازدياد الطلب على معرفته الاختصاصية فإن الأجر الذي يستطيع المطالبة به سيزداد كذلك. الرابحون والخاسرون في هذا الصراع لا تحددهم الاحتياجات الحقيقية للأطفال أو حتى المجتمع، وإنما هم الأكثر مهارةً في العلاقات العامة، والأقدر على استقطاب الحلفاء في حقل التعليم، ومن يستطيع الاستثمار بشكل أفضل في أحداث لا علاقة لها بالتعليم على الإطلاق كظهور سبوتنك * في السماء ليلًا.
إن فكرة المنهاج لن تكون سليمة حتى وإن استطعنا الاتفاق على محتوياته لأن المعارف نفسها تتغير. كثير مما يتعلمه الطفل في المدرسة سيتبين أو يُرى أنه غير صحيح قبل انقضاء عدد كبير من السنوات. درست الفيزياء في المدرسة من كتاب مواكب لمعارف عصره، وكان يصرح بأن القانون الأساسي في الفيزياء هو قانون مصونية المادة — أن المادة لا تُخلق ولا تفنى. كان علي شطب ذلك قبل أن أغادر المدرسة. دُرِّست في الاقتصاد في الجامعة العديد من الأمور التي لم تكن صحيحةً بالنسبة لاقتصادنا آنذاك، وأكثر منها مما ليس صحيحًا اليوم. ومرت سنين طويلة بعد تركي للجامعة حتى عرفت أن الإغريق، وبعيدًا عن كونهم قومًا منعزلين ورصينين محاطين بمعابد بيضاء محتشمة، كانوا نزقين وصاخبين ومحبين للنزاع ويحبون تغطية معابدهم بأوراق ذهبية وطلاء فاقع؛ وأن معظم مواطني روما الإمبراطورية، وبعيدًا عن العيش في دور تحيط غرفها بساحة مركزية، كانوا يعيشون في عمارات متعددة الأدوار والتي كان أحدها لعله البناء الأكبر في العالم القديم. الطفل الذي يتذكر حقًا كل ما سمعه في المدرسة سيعيش حياته معتقدًا العديد من الأمور على خلاف ما هي عليه في الواقع.
يضاف إلى ذلك أنه ليس بإمكاننا الحكم إلى أي المعارف سنكون أشد احتياجًا بعد أربعين أو عشرين أو حتى عشر سنوات من الآن. تعلمت اللاتينية والفرنسية في المدرسة. قلة من المدرسين الذين ادعوا حينئذ أن اللاتينية كانت ضرورية يستطيعون الدفاع عنها بالشكل نفسه اليوم، أما الفرنسية فلعل من الأفضل لو كانت الإسبانية أو حتى الروسية. المدارس اليوم مشغولة بتدريس الروسية، ولكن لعل عليها تعليم الصينية أو الهندية أو من يدري؟ إلى جانب الفيزياء، درست الكيمياء والتي لعلها كانت أكثر المواد العلمية شعبيةً، ولكن لعل من الأفضل لي لو درست علم الأحياء أو علوم البيئة لو كانت هناك مادة دراسية كهذه (لم تكن هناك). إننا دائمًا ما نكتشف متأخرين للغاية أننا نفتقر إلى الخبراء الذين نحتاج إليهم وأننا درسنا في الماضي الأشياء الخطأ. ولكن هذا الحال محكوم بالبقاء على ما هو عليه بما أننا عاجزون عن معرفة أي المعارف ستكون الحاجة إليها أكبر في المستقبل، ولذا من غير المنطقي أن نحاول تدريسها مقدمًا. علينا بدلًا من ذلك أن نشجع الناس الذين يحبون التعلم ويقومون به بشكل جيد ليتمكنوا من تعلم ما ينبغي تعلمه أيًا كان.
كيف لنا أن نقول، في أي حال من الأحوال، أن جزءًا من المعرفة أكثر أهميةً من الآخر، أو أن نقول ما نقوله في واقع الأمر من أن بعض المعارف أساسية فيما غيرها غير ذي قيمة في إطار المدرسة؟ سيُقال للطفل الذي يريد تعلم أمر لا تستطيع المدرسة ولا تريد تعليمه إياه أن لا يضيع وقته سدى. ولكن كيف لنا القول أن ما يريد هو معرفته أقل أهميةً مما نريد نحن منه معرفته؟ علينا أن نسأل كم من مجموع المعرفة الإنسانية يستطيع المرء أن يعرف في نهاية تحصيله الدراسي. ربما جزءًا من مليون. أنعتقد إذًا أن أحد هذه الأجزاء من مليون أكثر أهميةً بكثير من جزء غيره؟ أو أن مشاكلنا المجتمعية والوطنية ستحل لو وجدنا سبيلًا لجعل الأطفال يتخرجون من المدرسة وقد عرفوا جزئين من مليون بدل جزء واحد؟ إن المشاكل التي نعانيها ليست ناتجةً عن افتقادنا ما يكفي من الخبراء الذين يخبروننا بما علينا فعله، وإنما عن عدم قيامنا بما نعرف أن علينا القيام به الآن.
التعلم ليس كل شيء، وتعلم جزء محدد من المعرفة هو بالتأكيد أمر جيد كتعلم أي جزء آخر. كان لدى أحد أذكى وأجرأ طلاب الصف الخامس عندي اهتمام عميق بالأفاعي، وكان يعرف عنها أكثر من أي شخص عرفته. ولكن المدرسة لم تطرح مادةً في علم الزواحف والبرمائيات Herpetology ولم تكن الأفاعي في المنهاج، ولكن فيما يخصني فإن أي وقت كان يقضيه في التعلم عن الأفاعي كان أكثر فائدةً من قضائه في أي أمر آخر قد أفكر به، وإن لم يكن لأي سبب آخر فلأنه خلال عملية تعلمه عن الأفاعي كان قد تعلم عن العديد من الأمور الأخرى أكثر بكثير مما كنت قادرًا على ”تعليمه“ لأولئك البائسين في صفي ممن لم يكن لديهم اهتمام بأي شيء على الإطلاق. في شعبة أخرى للصف الخامس وأثناء درس عن الرومان في بريطانيا لمحت صبيًا يحاول قراءة كتاب في العلوم يخفيه في درج مقعده، ولكن المعلمة تنبهت إليه وأمرته بوضع الكتاب جانبًا لينصت إليها، وكان هذا ما فعله متأففًا. ما الفائدة التي جنيناها هنا؟ لقد أضاعت المعلمة فرصة ساعة من التعلم الحقيقي عن العلوم مقابل ساعة من التعلم المؤقت عن التاريخ في أحسن الأحوال — وعلى الأرجح دون أي مقابل من التعلم على الإطلاق، بل مجرد قضاء ساعة في أحلام اليقظة والأفكار الكريهة عن المدرسة.
ليست المادة الدراسية ما يجعل بعض التعلم أكثر قيمةً من غيره وإنما الروح التي يتم بها القيام بالأمر. إذا كان الطفل يقوم بذلك النمط من التعلم الذي يقوم به معظم الأطفال في المدرسة عندما يتعلمون أي شيء أصلًا — أي ابتلاع الكلمات دون فهم لردها إلى المعلم عند الطلب — فإنه يضيع وقته، أو بعبارة أصح، فإننا نضيع وقته. لن يكون هذا التعلم دائمًا أو مفيدًا أو ذا صلة بالواقع. أما الطفل الذي يتعلم بشكل طبيعي، متتبعًا فضوله حيث يقوده، ومضيفًا إلى نموذجه الذهني عن الواقع كل ما يحتاج إليه ويجد مكانًا له، ورافضًا ما لا يحتاج إليه دون شعور بالخوف أو الذنب، فإن هذا الطفل ينمو — في معرفته وفي حبه للتعلم وفي قدرته على التعلم — وهو في طريقه لأن يصبح الصنف من الأشخاص الذي نحتاج إليه في مجتمعنا، والذي لا تخرجه ”أفضل“ مدارسنا وجامعاتنا، وهو الصنف من الناس الذي يبحث عن المعنى والحقيقة والمتعة ويجدها في كل ما يفعل، بحسب تعبير ويتني غريسوولد.* هذا الطفل سيتابع التعلم طوال حياته، وكل تجربة وخبرة يعيشها ستجعل نموذجه الذهني عن الواقع أكثر اكتمالًا وأكثر تطابقًا معه، مما يجعله أكثر قدرةً على التعامل بشكل واقعي وخلاق وبناء مع أي تجربة جديدة تسوقه إليها الأقدار.
لا يمكن أن يكون لدينا تعلم حقيقي في المدرسة إن كنا نرى أن من واجبنا وحقنا أن نملي على الأطفال ما عليهم تعلمه. ليس بإمكاننا أن نعرف أي جزء محدد من الفهم أو المعارف هو أكثر ما يحتاج إليه الطفل في لحظة ما، أو أنه سيكون أكثر ما يعزز نموذجه عن الواقع أو يكون أكثر ما يلائمه. الطفل وحده هو من يستطيع القيام بذلك. ربما لا يستطيع القيام بذلك بشكل جيد للغاية، ولكنه يستطيع القيام به بشكل أفضل مائة مرة مما نستطيع نحن القيام به. أكثر ما نستطيع القيام به هو محاولة المساعدة، وذلك من خلال جعله يعرف بشكل تقريبي ما هو متاح وأين يمكنه البحث عنه. إن اختيار ما يريد تعلمه وما لا يريد هو أمر ينبغي أن يقوم به بنفسه.
هناك سبب آخر، وهو الأكثر أهمية، يدعونا لرفض فكرة المدرسة والصفوف الدراسية من جهة كونها أماكن يقوم فيها الأطفال معظم الوقت باتباع ما يمليه عليهم بعض البالغين. هذا السبب هو أنه ليس هناك سبيل لإكراه الأطفال وإرغامهم على القيام بما نريده دون جعلهم خائفين أو أكثر خوفًا. علينا ألا نخدع أنفسنا بأن الأمر ليس كذلك. إن من يفترض بهم أن يكونوا تقدميين والذين كان لهم حتى الآونة الأخيرة تأثير كبير على جلِّ التعليم العام لم يدركوا هذا الأمر وما يزالون كذلك. لقد اعتقدوا، أو على الأقل تحدثوا وكتبوا كما لو كانوا يعتقدون، أن هناك سبلًا حسنةً وأخرى سيئةً لإرغام الأطفال (السيئة منها هي تلك القاسية والمهينة والجلفة، أما الحسنة فهي المنمقة واللطيفة والوديعة والاستدراجية)، وأنهم لو تجنبوا السبل السيئة والتزموا الحسنة فلن يتسببوا بأي ضرر. كان هذا واحدًا من أكبر أخطائهم والسبب الرئيس في إخفاق الثورة التي أملوا تحقيقها.
إن فكرة ممارسة الإكراه دون أن يتسبب ذلك بتهديد أو ألم ليست إلا وهمًا. إن الخوف ملازم للإكراه لا ينفصل عنه ونتيجة حتمية له. إن كنت تعتقد أن واجبك هو هو جعل الأطفال يفعلون ما تريد، سواء رغبوا بذلك أم لا، فإن ذلك يستلزم حتمًا أن تجعلهم خائفين من عاقبة عدم فعلهم لما تريد. يمكنك القيام بذلك وفق الطريقة القديمة بشكل صريح وواضح، مهددًا باستخدام لغة قاسية أو تقييد الحرية أو العقوبة الجسدية. أو يمكنك استخدام الأسلوب الحديث، بشكل مبطن وناعم ولطيف، عبر حبس القبول والرضا الذي دَرَّبتَ وغيرك الأطفالَ على الاعتماد عليهما؛ أو بجعلهم يشعرون بأن عاقبةً ما تتربص بهم، عاقبةً غامضةً إلى حد لا يسمح بتخيل ماهيتها، ولكنها واقعة لا محالة. يمكنك أن تتعلم، كما الكثير من المعلمين المقتدرين، كيف تستخدم كلمةً أو إيماءةً أو نظرةً أو حتى ابتسامةً لاستجلاب المخزون الهائل من الخوف والذنب والعار الذي يحمله الأطفال في نفوسهم. أو يمكنك ببساطة أن تسمح لمخاوفك الخاصة بخصوص ما سيحدث لك لو لم يفعل الأطفال ما تريد، أن تسمح لها بالوصول إلى الأطفال وتصيبهم بالعدوى. وهكذا سيتكوَّن لدى الأطفال شعور متزايد بأن الحياة تعج بالأخطار التي لن يحميهم منها سوى النوايا الحسنة للكبار أمثالك، وأن هذه النوايا الحسنة قابلة للزوال وعليهم إثبات استحقاقهم لنيلها كل يوم.
البديل الذي لا أستطيع أن أرى سواه هو أن تكون لدينا مدارس وصفوف دراسية يستطيع فيها كل طفل أن يشبع فضوله الخاص بأسلوبه الخاص، وأن يطور قدراته ومواهبه ويتتبع اهتماماته، وأن يحصل من الكبار والأطفال الأكبر المحيطين به على لمحة عن التنوع الكبير والغنى الهائل للحياة. باختصار، ينبغي أن تكون المدرسة مائدةً مفتوحةً من النشاطات الفكرية والفنية والإبداعية والرياضية، والتي يمكن لكل طفل أن يختار منها ما يشاء بالقدر الذي يشاء قل أم كثر. ذكرت هذه الفكرة لآنا عندما كانت في الصف السادس، أي بعد سنة من حضورها في صفي. وبعد أن وصفت لها بشكل سريع كيف يمكن لمدرسة كهذه أن تعمل وما الذي يمكن للأطفال أن يفعلوه فيها، سألتها: ”أخبريني، ما رأيك؟ أتعتقدين أنها ستنجح؟ أتظنين أن الأطفال سيتعلمون أي شيء؟“ أجابتني باقتناع تام: ”أوه، أجل. ستكون رائعة!“ التزمت آنا الصمت لدقيقة أو اثنتين، ربما مسترجعةً تجربتها غير اللطيفة عمومًا مع المدرسة، ثم قالت بعد تفكير عميق: ”أتعرف، الأطفال يحبون حقًا أن يتعلموا، ولكننا لا نحب أن يُتسلطَ علينا.“ حقًا، إنهم لا يحبون ذلك، وعلينا أن نكون ممتنين لهذا. لذا لنتوقف عن التسلط عليهم ولنعطهم فرصة.

مذ كتبت هذا الكلام للمرة الأولى، توقفت عن الاعتقاد بأن ”المدارس“، كيفما نُظِّمت، هي الأماكن المناسبة أو الوحيدة أو الأفضل للقيام بهذا الأمر. فكما كتبت في كتابيَّ Instead of Education و Teach Your Own، وباستثناء ظروف نادرة للغاية، فإن فكرة وجود أماكن مخصصة للتعلم لا يحدث فيها شيء سوى التعلم لا تبدو لي منطقيةً على الإطلاق. إن المكان المناسب والأفضل للأطفال ليتعلموا ما يريدون تعلمه أو ما هم بحاجة إليه أيًا كان هو المكان الذي كان الأطفال كلهم تقريبًا يتعلمون فيه حتى أمد قريب — أي في العالم نفسه وفي سياق حياة البالغين وأنشطتهم. لو وضعنا كما يتوجب علينا في كل مجتمع مراكز للأنشطة والموارد (ربما في الأبنية التي كانت تحتلها المدارس) ملأى بالمساحات المتاحة لأنواع كثيرة من النشاطات — مكتبات وغرفًا للموسيقى ومسارح ومنشآت رياضية وورشات وغرف اجتماعات — فإنها ينبغي أن تكون مفتوحةً ومتاحةً ليستخدمها الصغار والكبار معًا. لقد ارتكبنا خطأً فادحًا (وإن بنية حسنة) عندما فصلنا الأطفال عن البالغين والتعليمَ عن سائر الحياة، وأحد أكثر واجباتنا إلحاحًا هو إزالة الحواجز التي وضعناها بينهم وجعلهم يجتمعون ثانيةً.
ولكن دعني أترك الكلمة الأخيرة، كما فعلت قبلًا، لأحد الأطفال. كانت آنا قد طردت من مدرستها السابقة باعتبارها طالبةً ميؤوسًا منها وطفلةً سيئةً عمومًا. كان والداها غنيين بما يكفي لاستخدام ”أفضل“ الخبراء المتواجدين في بوسطن للتعامل معها. كان حكمهم بأنها تعاني من عجز شديد عن التعلم، ناهيك عن الاضطرابات العاطفية والنفسية البليغة. ولكن تواجدها في صفي كان منذ اليوم الأول مبهجًا ومجزيًا كأكثر ما خبرت في حياتي من الأطفال — كانت شجاعةً ومفعمةً بالنشاط ومتقدةً وذاتية الاندفاع وذات خيال واسع وعاطفة جياشة وموهوبةً في الكثير من النواحي وقائدةً بالفطرة — مما جعلها واحدةً من طفلين أو ثلاثة جعلوا ذلك تدريس الصف من أجمل ما خبرت. وكما كتبت في غير مكان، فرغم أنها جاءت صفي وهي لا تكاد تعرف القراءة، فقد صارت مع نهاية العام، ودون ”تدريس“ مني، تقرأ أجزاء كبيرةً من موبي دك وتستمتع بها. لقد كبرت لتصبح امرأةً قديرةً ومثيرةً للاهتمام كما كانت في طفولتها. في آخرت مرة سمعت عنها كانت تعتبر في عمر الثلاثين ناجحةً في عدة مجالات مختلفة — بالمقاييس التي يعتبرها العالم للنجاح. لم تنكسر آنا ولم تسمح للآخرين أن يكسروا روحها كي تنسجم مع عالم خامل وسيئ؛ وبدلًا من ذلك جعلت العالم يفسح لها مكانًا، وهكذا جعلته بطريقتها الخاصة أفضل ومفعمًا أكثر بالحياة. أن نساعد الأطفال كلهم على فعل هذا ينبغي أن يكون واجبنا— ومبعث سرورنا.

Featured image by Feliphe Schiarolli on Unsplash

التصنيفات التعلّم،ترجمةالوسوم , , , ,

رأي واحد حول “كيف يخفق الأطفال: ملخص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close