أفكار في تعلُّم واستكشاف اللغة (2)

الحمد لله الخالق المنان، معلم الإنسان البيان، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذه التدوينة الثانية من مجموعة تدوينات أعرض فيها أفكارًا عن تعلم اللغة، تحدثًا وقراءةً وكتابةً. تحدثت في بداية التدوينة السابقة عن منهجية الأستاذ عبد الله الدنان في تعلم العربية الفصحى بالممارسة، ثم انتقلت إلى الحديث عن إتاحة المجال للأطفال لاستكشاف اللغة استكشافًا بدل أن نستبقهم بتقرير ما هو صواب أو خطأ حسب قواعدها. الغرض من القسم الأول كان تحديد أي لغة يتعلمها الأطفال تحدثًا وكيف سيكتسبونها. هذا الأمر محسوم تلقائيًا لمتحدث الإنكليزية والفرنسية والتركية وغيرها، لأن الطفل سيستخدم اللغة التي تعلمها في منزله ليقرأ ويكتب ويتعلم بها في المدرسة، ولكن الحال غير ذلك بالنسبة للطفل العربي الذي يتعلم في بيته لغةً هي العامية ثم يأتي المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة بلغة أخرى هي الفصحى. منهجية الدنان إذن كما أراها خطوة أولى مهمة في تعلم اللغة بغض النظر عن المنهجية التي ستُتَّبع بعد ذلك لتعليم القراءة والكتابة.

أعرض في هذه التدوينة مثالًا أكثر تفصيلًا عما يمكن للمعلم فعله لتشجيع الأطفال على استكشاف وتعلم الكتابة في مراحل عمرية مبكرة، فيما أتحدث في التدوينة القادمة عن تجارب قمت بها ويظهر فيها بشكل أكبر الرابط بين تعلم الفصحى والبناء عليها فيما بعد لتعلم الكتابة.

 عن استكشاف اللغة (تتمة)

أسوق مثالًا آخر عن استكشاف اللغة والكتابة كما تتحدث عنه إحدى زميلات دكوورث، هالي سيرينو Hallie Cirino، في فصل بعنوان رحلات دفاتر اليوميات: استكشافٌ مع كتابٍ صغارٍ Journal Journeys: An Exploration with Young Writers من كتاب أخبرني المزيد: الاستماع إلى المتعلمين يشرحون Tell Me More: Listening to Learners Explain. تصف سيرينو ثلاثة أطفال في سن ما قبل المدرسة وهم يتعلمون كتابة القصص معًا مع اختلاف قدراتهم الكتابية. كانت سيرينو تجتمع بالأطفال أسبوعيًا لمدة 30-45 دقيقة في غرفة خالية من الكراسي والطاولات، وأحضرت معها في يومها الأول دفاتر يوميات صنعتها بنفسها. كان في كل منها ثلاثون ورقةً خيطت معًا ووضعت في غلاف من الورق المقوى. عندما سألت سيرينو الأطفال عن ماهية الدفاتر قالوا إنها كتب. سألتهم عما يظنون أنه ينقصها مقارنةً بالكتب التي يعرفونها فأجابوا بأن الكلمات والصور تنقصها. أعطتهم أقلامًا ملونةً متنوعةً وأخبرتهم أن عملهم الآن ككتاب هو استخدام هذه الأدوات لملء كتبهم بالصور والكلمات.

tell-me-more
“أخبرني المزيد”: الاستماع إلى المتعلمين يشرحون، كتاب تحكي فيه إلينور دكوورث ومجموعة من زملائها عن الكيفية التي تستكشف بها مجموعات مختلفة من المتعلمين (من أعمار مختلفة) مواضيع شتى كالسياسة والفيزياء والكتابة والشعر ورسم الخرائط.

في لقائهم الأول لم تكن آن (4 سنوات) قد بدأت بكتابة الكلمات بعد. كانت ترسم صورًا وتروي قصصًا عنها بثقة. أما جيمس (5 سنوات) فكان ينتقل من كتابة كلمات منفردة إلى كتابة عبارات بسيطة. كانت قدرته على التحكم بيده أثناء الرسم والكتابة ضعيفة نسبيًا، ولكنه كان يتدارك الأمر بتغيير موضوع الرسم عند الحاجة إلى ذلك. عندما كان جيمس يقرأ كتابته كان يقوم بذلك من الذاكرة دون النظر إلى الكلمات، ويقوم أثناء ذلك بإضافة كلمات جديدة لجعل الجمل تبدو أفضل. كانت قصصه تتطور كذلك أثناء قيامه برسمها. أما البنت الكبرى، جون (6 سنوات)، فكانت كتابتها أكثر تقدمًا، إذ كانت تستخدم بعض التهجئات الاصطلاحية وكلمات متناسقة ومزيجًا من الأحرف الكبيرة والصغيرة وتترك فراغات بين الكلمات. وكانت عندما تقرأ ما كتبتْ تشير إلى الكلمات لتقرأها حقيقةً.

لم تكن وظيفة سيرينو كمعلمة أن تشرح كيفية الكتابة للأطفال، وإنما أن ترعى وتحافظ على اهتمامهم بالكتابة وتطور فهمهم لها أثناء استكشافهم لها معًا، وذلك من خلال محاولة تخمين فهم الأطفال، وتقدير ما ينبغي القيام به تاليًا بناءً على ذلك. كان عليها الإبقاء على اهتمام الأطفال حيًا بالنواحي التي ترى أنها تستحق الاستكشاف، وأن تشجعهم وتنمي ثقتهم بأنفسهم ليستكشفوا تحديات جديدة ويخرجوا بأجوبة أعمق أو أوضح. هذان الأمران: تخمين تطور فهم الأطفال والمحافظة على اهتمامهم وانهماكهم بالموضوع مترابطان، إذ أن الانتباه الذي نعيره للأطفال لفهم المنطق الذي يكونونه يلعب دورًا كبيرًا في الحفاظ على اهتمامهم بالموضوع، كما أن درجة انهماكهم تلعب دورًا كبيرًا في رغبتهم في التعبير عن الأفهام التي يكونونها. خلال ذلك على المعلم أن يدرك أن المتعلمين بحاجة إلى معرفة واختبار الأشياء التي يريدون التعلم عنها، وليس سماع كلمات عنها. فلتعلم الكتابة مثلًا ليس علينا أن نخبر الأطفال كم هي مهمة الكتابة، وإنما أن نجعلهم يعيشون تجارب يحسون فيها بأهميتها لأنهم يريدون استخدامها للتعبير عن أنفسهم. وبدلًا من أن نخبرهم بما يجعل نصًا ما معبرًا أما لا، علينا أن نتيح لهم الكتابة عن أشياء تهمهم ثم نناقش معهم اختياراتهم وما يمكنهم فعله لتحسينها.

أختار فيما يلي مقطعًا من الفصل الذي كتبته سيرينو تصف فيه إحدى جلساتها مع الأطفال لأخذ فكرة عن طبيعة التجربة والتفاعلات التي تجري فيها:

التاريخ : [بعد شهر ونصف من بداية الجلسات] — آن تجد الحروف، وجيمس يهجئ بمفرده، وجون تكشف عن عدة مفاجآت

بنى الأطفال في الجلسة السابقة مناضد من كتل خشبية جوفاء كانت مخزنةً في الغرفة. كان ارتفاع كل منضدة 30 سم تقريبًا، فجلس الأطفال على الأرض ووضعوا دفاترهم على المناضد. عندما دخلت الغرفة اليوم مع الأطفال سألتني جون (6 سنوات) إن كان بإمكانهم بناء المناضد ثانيةً. أجبت بنعم، فبنى ثلاثتهم مناضد مرتجلة ولكنها كانت أكثر ارتفاعًا من المرة الماضية فاضطروا لإحضار كراسٍ من الغرفة المجاورة ليجلسوا عليها. ثم بنوا منضدةً رابعةً وضعوا عليها أدوات الكتابة وجعلوا مناضدهم في دائرة حولها.

جلست جون إلى منضدتها وقالت: “هالي: لا أعرف عما أكتب.”

ابتسمت وسألتها: “أتعرفين أنك تخبرينني بذلك كل جلسة كتابة؟”

ضحكت جون قائلةً: “أجل!” سألتها إن كانت تعرف ما ستكون إجابتي بما أنني أجيبها دومًا بالشكل نفسه. قالت: “ستخبريننا بأن الكُتّاب يكتبون دومًا عن أشياء يعرفون عنها.”

قلت: “أرأيت؟ أنت تعرفين مسبقًا ما الذي سأقوله بالضبط.”

قالت جون بعدها: “أكره الكتابة في المنزل لأن بابا وماما يخبرانني دومًا بالأحرف التي علي كتابتها.” أخبرتها بأن والديها تعلما الكتابة بتلك الطريقة غالبًا عندما كانا في عمرها، وذكرت لها بأن معلمتي علمتني الكتابة بالطريقة نفسها، وأن الكثير من المعلمين اليوم ما زالوا يدرّسون الأطفال بتلك الطريقة.

كانت آن (4 سنوات) تستمع إلينا بانتباه فهتفت: “هذا ليس عدلًا! هذا ليس عدلًا! على الأطفال أن يتعلموا من خلال التفكير بأنفسهم!” وافقتها ولكني أخبرتها أن الكثير من الناس لا يحبون التعليم بتلك الطريقة. جلست آن عابسة الوجه وأخذت بالتفكير لبعض الوقت، ثم قالت: “أعرف عما سأكتب! سأكتب عن الحديقة التي سأغرسها مع جدي هذا الصيف!”

كان جيمس (5 سنوات) يرسم بسرعة، ولم يكن قد قال شيئًا منذ بداية الجلسة. التفت إلي وقال: “لا أعرف ما أكتب عن رسمتي.”

نظرت إلى دفتره وسألته: “أبإمكانك إخباري عن رسمتك؟” قال: “إنه بيت شجرة (عرزال) آخر.”

سألته: “لم قررت أن ترسم بيت شجرة آخر؟”

أجاب: “لأني أحبها! أأستطيع أن أكتب ذلك؟” أخبرته أن بالطبع، فبدأ بكتابة “I LVOEZ” (أنا أحب I love) ثم توقف. قال وهو يفكر بصوت مرتفع: “لنرَ.. كيف كنت أهجئ شجرة tree؟” وأخذ يقلب خلال أوراق دفتره باحثًا عن قصة أخرى كتب فيها عن بيوت الأشجار. وجد الصفحة وأخذ يقرأ بتمعن إلى أن وصل إلى كلمة شجرة tree فقال: “R ثم E ثم N. هالي، أهكذا تهجئين كلمة شجرة tree؟”

قلت: “يبدو أنك كتبتها هكذا المرة الماضية.” أخذ يقلب الأوراق عائدًا إلى رسمته الجديدة وكتب “REN” فيما كان يلفظ الأحرف بصوت عال. قرأ “I love tree” ثم كتب “HOS” (أي بيت house). أخبرته بأني أفهم الآن لم اختار أن يكتب عن بيوت الأشجار أكثر من مرة. مازحته وسألته إن كان لديه بيت شجرة في شقته. ضحك ثم أضاف بجدية: “لكني أربي بعض النباتات الصغيرة هناك.” أغلق جيمس دفتره ثم غادرنا.

رفعت آن القلم الأسود الذي كان جيمس يكتب به وقالت: “لقد انتظرت هذا القلم طويلًا.” لاحظت أنها لم تكتب أو ترسم أي شيء بعد. بدأت برسم حديقتها وقالت: “هالي، أنا أحبك كثيرًا.”

أجبتها: “وأنا كذلك أحبك وسائرَ الأطفال.” ابتسمت لي جون التي كانت مشغولةً بالكتابة فسألتها: “جون، أتستطيعين أن تقرئي لي ما كتبتِ؟”

وضعت جون دفترها أمامي وقالت: “اقرئيها أنت.” كانت قد كتبت “I DO WRETING WITH HALLIE” (أنا أقوم بالكتابة مع هالي  I do writing with Hallie). أخبرتها أني أعرف أنها تكتب معي وأنه ربما بإمكانها أن تخبرني المزيد عن ذلك. فتابعت الكتابة: “I CID OF TINK EIS BORING BOT I OSO CID E LEC IT” (أظن نوعًا ما أنها مملة ولكني أيضًا أحبها نوعًا ما I kind of think it’s boring but I also kind of like it).

سألتها: “جون، ما الذي تشعرين أنه ممل في الكتابة؟ من المهم لي أن أعرف لأني سأعلم الكتابة لكثير من السنوات القادمة، وأريد أن أكون أفضل معلمة كتابة بوسعي كونها.” أجابتي: “حسنًا، من الممل تهجئة الأحرف.”

قلت وقد أصابتني الحيرة: “فاجأني أنك ترين ذلك مملًا يا جون. أخبرتني قبل قليل أنك تكرهين أن يخبرك والداك بالأحرف التي عليك كتابتها دون أن يعطوك فرصةً لتهجئتها بنفسك.”

أجابت: “حسنًا، إنك تحبينها نوعًا ما، ولكنك لا تحبينها. يعني معضلة dilemma.”

فاجأتني جون ثانيةً بمعرفتها وفهمها لكلمة معضلة. أخبرتها أنني عندما أكتب أشعر بالشيء نفسه كثيرًا من الأحيان، وتابعت قائلةً أنه من المهم تعلم الكتابة رغم ذلك لأن الجميع يحتاجها خلال حياتهم. أومأت جون موافقةً وجلست تفكر.

قالت آن: “هالي، أتستطيعين مساعدتي بالكتابة؟”

سألتها: “ما الذي تريدين قوله عن رسمتك؟”

أجابت: ” أريد أن أقول: هذه حديقة سنقوم أنا وجدي بغرسها.”

سألتها كيف ستبدأ بكتابة ذلك، فبدأت تهجئ ببطء الكلمات التي أرادت كتابتها ثم تكتب الأحرف التي شعرت أنها متوافقة مع الأصوات التي تخرجها، وكلما واجهت صوتًا لم تعرف كيف يبدو شكل الحرف المكتوب الذي يوافقه كانت تلجأ إلى شريط الأحرف الأبجدية لتبحث عنه. وبدل أن تطلب مني أن أشير إلى موضع الحرف على الشريط كما كانت تفعل من قبل، أخذت تضع إصبعها على أول الشريط وتقرأ الأحرف واحدًا واحدًا إلى أن تصل إلى الحرف الذي تريد، ثم تثبت إصبعها عليه وتنسخه إلى دفترها. أحببت طريقتها واستقلاليتها. عند انتهائها كانت قد كتبت “Z S A GRD ME A M GRI R G T PT” ثم قرأتْ “هذه حديقة سنزرعها أنا وجدي This is a garden me and my grandpa are going to plant.” أخبرتها أني أحببت الطريقة التي اتبعتها لتخمين أشكال الأحرف باستخدام شريط الحروف الأبجدية. سألتني: “أبإمكاني الخروج الآن؟” أجبتها أن بالطبع وانطلقتْ.

كانت جون ما تزال هناك، ولكنها لم تقم بأي كتابة إضافية. قالت: “أريد أن أصنع واحدةً من تلك القوائم التي أخبرتني عنها.” وكانت تقصد اقتراحي بأن تنشئ قائمةً بالمواضيع التي يمكنها الكتابة عنها، بحيث يمكنها العودة إليها إن شعرت أنها عالقة ولا تجد فكرةً تكتب عنها. أخبرتها أن لا بأس بذلك، فقلبت الأوراق إلى صفحة جديدة وكتبتْ “LIST” (قائمة) في رأسها.

سألتها: “ألديك أي أفكار لمواضيع يمكن وضعها في القائمة؟” كتبت رقم 1 وبجانبه أضافت DANIEL (دانيال، اسم أخيها الرضيع). ثم وضعت رقم 2 وأضافت بجانبه “HAWS” (بيت house). أغلقت دفترها فسألتها: “أنتهيت من القائمة؟”

أجابتني مبتسمةً: “سيبقيني ذلك مشغولةً لجلستي الكتابة القادمتين.” ثم غادرتْ.

يبدو أن هناك قدرًا ما من الطقوس في جلسة الكتابة هذه. لم يبدأ الأطفال في الكتابة قبل الانتهاء من بناء مناضدهم، ولم تستطع جون الكتابة إلى أن أعادت حوارها الأسبوعي بخصوص عدم معرفة ما ستكتب عنه. أما آن فلم تستطع الكتابة قبل الحصول على قلم محدد، وهو سلوك مارسته سابقًا. وأخبرني جيمس أنه لم يعرف ما يكتب عن رسمته، إذ يبدو عادةً أنه بحاجة إلى الحديث عن رسوماته أولًا قبل الشروع في كتابة أي شيء. ألا يعتمد الكتاب البالغون على طقوس مشابهة؟

بعيدًا عن الطقوس، قدمت جون الكثير من المفاجآت في هذه الجلسة بالتحديد. كان تعبيرها عن النفور من التدخل الأبوي مثيرًا تحديدًا للاهتمام مع ارتباطه بمشاعرها المتضاربة عن الكتابة — معضلة جون! كانت جون مستعدةً لاستخدام قائمة موضوعات الكتابة هذه المرة، ولكنها فاجأتني بمعرفتها كيفية تنظيم القائمة بوضع ترويسة لها وترقيم عناصرها. تملكت جون ناصية الفكرة لما أخبرتني أنها تريد إنشاء قائمة ثم نفذتها بنفسها.

خطط جيمس لرسمته مسبقًا في هذه الجلسة، إذ عرف أنه سيكتب عن العرازيل ثانيةً. في السابق كان يبدو أن موضوعاته تتجلى بعد شروعه بالرسم. كانت رائعةً استراتيجيته المستقلة للبحث عن الكيفية التي كتب بها شجرة tree من قبل. كان جيمس يحتاج مني في السابق أن أخبره أين يجد الكلمة التي يريد كتابتها، ولكنه فعلها وحده هذه المرة بشكل كامل، وكان يبدي المزيد من الثقة بنفسه عبر الكتابة.

فيما صار جيمس مستقلًا في إيجاد الكلمات، صارت آن مستقلةً في إيجاد الحروف، وبدأت طريقةً رائعةً لتجد بنفسها أشكال الحروف المكتوبة. شد انتباهي معرفتها أن لحرف ذي اسم محدد صوتًا محددًا، وأنها رغم ذلك لم تعرف شكل ذلك الحرف. كما أن آن هذه المرة عرفت عما تكتب قبل أن تبدأ الكتابة وكانت لديها أفكار واضحة عن ذلك.

لاحظ شدة ملاحظة سيرينو وانتباهها لتفاصيل ما يقوم به طلابها، وكذلك انتباهها لأفكارها وما تقوم هي به، والتفاعل بين هذين العنصرين لتبني فكرةً أو سؤالًا أو نشاطًا جديدًا. لاحظ كذلك كونها معلمةً ومتعلمةً في الوقت نفسه، تشعر بالفضول والمفاجأة وتجرب وتستكشف وتتساءل، وكيف وصلت بذلك إلى مساعدة الأطفال على ممارسة الكتابة والاستمتاع بها في عمر مبكر. كل ما قامت به كان أن وفرت لهم الفرصة والأدوات الملائمة: أعطت الأطفال “كتبًا” وطلبت منهم إضافة ما رأوه ناقصًا — أي الكلمات والصور — وامتنعت عن انتقاد أخطائهم تاركةً لهم حرية استكشاف أي فكرة في دفاترهم، كما امتنعت عن إخبارهم بحلول قد تريحهم من مواجهة صعوبات يعود حلها بأنفسهم عليهم بالفائدة. وكما هي طريقة دكوورث، عادةً ما أجابت سيرينو عن أسئلة طلابها بأسئلة، أو وجهتهم نحو مصادر (عادةً ما تكون كتاباتهم هم) يمكنهم استخدامها بأنفسهم لإيجاد الأجوبة التي يبحثون عنها.

من المعلوم دور الصور والرسومات في إغناء السياق أثناء قيام الأطفال بالقراءة، ولكن الأمر نفسه يمكن أن يقال عن دورها أثناء الكتابة، وعادةً ما تحمل رسومات الأطفال أهميةً أكبر من الكلمات، بل تكون مصدرًا للكلمات نفسها. تضيف سيرينو أنها وجدت أن وضع الأطفال في سياق يسعهم فيه التفاعل مع بعضهم البعض يتيح لهم مشاركة الكثير فيما بينهم عن الكتابة وإن اختلفت درجات إتقانهم. ففي تجربتها تشاركوا أفكارًا عن الرسومات والمواضيع وكيفية معرفة أي الحروف تستخدم وأين وكيفية إيجادها إن لزم، كما قدموا التشجيع لبعضهم البعض بشكل مباشر أو غير مباشر. كما بدا أن الكتابة كانت وسيلة طبيعيةً متكاملة لتعزيز نمو الأطفال ، إذ ساهم تعلم الكتابة بهذه الطريقة في تنمية مهاراتهم الاجتماعية وثقتهم بأنفسهم. وعندما نتحدث عن ثقة الأطفال بأنفسهم وأفكارهم فإننا لا نعني أن يظن أحدهم أن أفكاره صحيحة، بل أن تكون لديه الرغبة والاستعداد لتجربتها.

كثير من عمل المعلمة كان يعتمد على طرح السؤال المناسب في الوقت المناسب، والذي يؤدي إلى دفع الأطفال إلى التفكير بشكل أعمق وزيادة اهتمامهم بالموضوع الذي يبحثونه. قد تتعذر معرفة الوقت المناسب للسؤال، خاصةً عندما نتعامل مع عدد كبير من الأطفال، ولكن إذا كانت البيئة ملائمة فإن الأطفال أنفسهم سيطرحون الأسئلة المناسبة التي تدفع بأفهامهم قُدمًا.

أحد الأشياء التي لفتت انتباهي حين تعرفت على تجربة سيرينو كان الطريقة التي تعاملت بها مع أسئلة الأطفال عن تهجئة كلمة ما. إذا كان الطفل قد جرب كتابة الكلمة سابقًا فإنها تطلب منه العودة إلى دفتره للبحث عن تهجئتها، بغض النظر عن كون تلك التهجئة صحيحةً أم لا. كنت أرى من الطبيعي أن يرتكب المتعلمون الأخطاء وأن يبقوا عليها إلى أن تسمح لهم تجاربهم أو معارفهم أو أدواتهم بتصحيحها بأنفسهم، ولكن أن تطلب المعلمة من الطفل البحث عن التهجئة التي أتى بها سابقًا ليعيد استخدامها رغم خطئها كان مستغربًا لأول وهلة، ولكن سيرينو فعلت ذلك لتشجع الأطفال على بناء معاييرهم واصطلاحاتهم الخاصة. تحدثت في التدوينة الماضية عن كون الكتابة نظامًا للتواصل مصطلحًا على مفرداته بين الناس، ولا بأس أن يستكشف الأطفال غمارها بانين معاييرهم الخاصة للكتابة أثناء ذلك إلى أن يقرروا أن يتبعوا القواعد المعيارية المتداولة كي يستطيعوا التواصل مع جماهير أعرض. في هذا النوع من التعلم نعطي أهميةً أكبر للصورة الكبيرة والإجراءات بدل التركيز على التفاصيل والنتائج النهائية، والصورة الكبيرة هي أن يستخدم الطفل المعرفة ويتعرفها بطريقة مشابهة لما يقوم به الكبار في العالم الحقيقي. إن كان الكبار يستخدمون الكتابة في حياتهم ليعبروا عن أفكارهم في مواضع مختلفة فعلى الأطفال أن يتعلموها من خلال أنشطة مشابهة (بدل أن يطلب إليهم كتابة مئات الجمل التي لا تعني لهم شيئًا)، وإن كانت الكتابة في جوهرها اصطلاحًا على رموز معينة لإيصال أصوات أو معانٍ  محددةٍ فيكون التركيز مع الأطفال على تأسيس وتطوير اصطلاحاتهم كي توصل أفكارهم.

ولكن أليس “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”؟ ألا ينبغي أن نخشى أن تستمر هذه الأخطاء مع الأطفال طوال حياتهم إن لم نصوبها لهم مباشرةً؟ أقول: هذا صحيح في البيئات التي يُمارس فيها التعليم كعملية “إيصال” للحقائق، فعندئذٍ تتشبث “الحقائق المغلوطة” طويلًا بأذهان المتعلمين. أما في البيئات التي تركز على عملية الاستكشاف والتجريب فإن المتعلم يدرك أن الحقيقة أو النتيجة التي يصل إليها مرحلية أو مؤقتة، ولن يمانع تعديلها أو استبدالها حين تتطور أدواته وقدراته على الإدراك والاستدلال والاستكشاف، وكما ذكرت آنفًا فإن ثقة المتعلمين بأنفسهم وأفكارهم في هذه الأجواء لا تعني ثقتهم بصحتها، وإنما الرغبة والاستعداد لتجربتها.

في المنهجية التي تتعلم بها آن وجيمس وجون، والتجربة التي ذكرتها في التدوينة السابقة عن تعلم تهجئة الكلمات الفرنسية، لا يتورع الأطفال عن ارتكاب الكثير من الأخطاء كأي كاتبٍ مكبٍ على أوراقه أو عالمٍ مثابر في مختبره، ولكن ارتكاب هذه الأخطاء هي سبيلهم لإتقان ما يريدون إتقانه. قارن حالهم بحال الأطفال في هذه الحادثة التي خبرتها قبيل سنوات:

كنت في مدرسة للاجئين أغطي مع متطوع كندي مكان معلمة اللغة الانكليزية التي اضطرت لمغادرة المدرسة. كان درسنا الأول مع طالبات الصف الخامس اللواتي أخبرننا أن حصة اليوم حصة “إملاء”، وبالفعل أعطين المعلم الكندي قائمةً بالمفردات العشرة المقررة ليمليها عليهن.

بدأ المعلم قراءة الكلمات فيما الطالبات يكتبن من ورائه إلى أن وصل إلى كلمة “kit كِت” لتصيح البنات بصوت واحد تقريبًا “كااااااايت” مصححات له لفظه. استفسرت من البنات (باعتباري الوسيط بينهم كمترجم) لأتأكد من أنهن يعرفن ما يتحدثن عنه، فأكدن أن الكلمة المفترض بهن كتابتها هي “كايت” وليست “كِت” مضيفات أن معناها طائرة ورقية. قلت لعل الخطأ في الورقة التي أعطيت لنا والتي كتب فيها kit بدل kite، ولكن المذهل كان أن البنات كلهن كتبن kit في أوراقهن.

– “يا جماعة هذه الكلمة كِت وليست كايت، وليس معناها طائرةً ورقيةً.”

– “لاااااا، الآنسة قالت أنها كايت.”

– “أرنني الكتاب إذن.”

اطلعت على الكتاب لأجد أن الدرس يتحدث عن عدة الإسعافات الأولية first aid kit (فيرست إيد كِت)، أي لا كايت ولا طائرة ورقية، ولكن المدرّسة — ببساطة — أخطأت.

– “يا جماعة هذه كِت وليست كايت.”

– “مستحييييييل. الآنسة قالت كايت.”

الطريف في الأمر أني ذكرتهن أن المعلم الذي معي كندي ولغته الأم هي الإنكليزية، إضافةً إلى أني نفسي كنت قد عدت للتو من الولايات المتحدة بعد إنهاء دراستي، ولكن لم يكن لذلك أدنى أثر في تغيير قناعتهن. دفعني شعوري بالتحدي إلى استخدام هاتفي المحمول للبحث عن الصور الموافقة لكلمتي kit و kite لأقنع البنات بصدق ما أقول. لكم أن تتصوروا هنا الحيرة على وجوه البنات وهن يرين عشرات صور معدات الإسعاف الأولي تحت kit، وعشرات مثلها لطائرات ورقية تحت kite.

– “لكن الآنسة قالت kit تُقرأ كايت ومعناها طائرة ورقية.” 

عندما أذكر هذه القصة يُلقى عادةً باللوم كله على المعلمة المقصرة التي لم تحضِّر درسها كما ينبغي، فيما أرى أن الخلل الأعمق يكمن في قضية تعامل الأطفال مع عملية التعلم ومصادر المعرفة من حيث كونها نهائية لا تقبل المراجعة أو التعدد، على عكس حال الأطفال (أمثال آن وجيمس وجون) الذين سيرون التعلم رحلةً لا تنتهي ونتائجها قابلةً للتعديل في كل حين.

قد يتساءل السائل: ولكن متى سيتاح للأطفال الذين يتعلمون الكتابة بالاستكشاف أن يعرفوا الطريقة السليمة لتهجئة كلمة ما؟ أم أن عملية الاستكشاف مرحلة أولية مؤقتة نعود بعدها إلى تعليم الكتابة بالشكل المعتاد؟ والحال أن أسلوب التعلم هذا أسلوب متكامل وليس مرحلةً عارضةً، أما كيف يكتشف الأطفال التهجئة “السليمة” فلذلك عدة سبل منها:

  • نحن لا نخبر الأطفال عادةً أن تهجئتهم سليمة أم لا، ولكننا قد نخبرهم أن الطريقة التي يتبعونها مختلفة عما تعارف عليه الناس. آن بنت الرابعة مثلًا كانت تكتب this ذِسْ (بمعنى هذا) هكذا Z فقط. أخبرتها سيرينو عندما عرفت أنها تكتبها بهذا الشكل دومًا: “الكبار يكتبون this بشكل مختلف، ولكنني أعرف ما الذي تعنينه بـ Z عندما تكتبينها.”
  • عندما يستكشف الأطفال بصحبة أطفال آخرين من أعمار وبقدرات مختلفة، فإنهم يدركون أن غيرهم قد يكونون أصحاب مهارات وخبرات أكبر مما لديهم، ويتيح لهم جو التعاون والمشاركة (بدل التنافس) فرصة الاستفادة والتعلم من بعضهم.
  • رغم أني لم أتحدث عن تعلم القراءة إلا أنها شديدة الارتباط بتعلم الكتابة، إذ هي مدخل الأطفال للتعرف على المعايير التي يستخدمها الكبار في التهجئة، وهي تعطي الأطفال الكثير من تلك اللحظات التي سيتوقفون فيها أثناء القراءة ليقولوا: “هاااا، هكذا إذن تهجأ هذه الكلمة!”

وهذا الأسلوب في التعلم هو الأكثر موافقةً لما نقوم به نحن الكبار في العالم الحقيقي، فأنا نفسي تعلمت خلال الكتابة في هذه المدونة أأكتب “إذن” أم “إذًا”، وهل أكتب تنوين الفتح قبل ألف التنوين أم بعدها، وهل الفعل “يحتاج” يتعدى بنفسه أم بحرف الجر “إلى”، ليس لأن أحدًا أخبرني بما علي فعله، بل لأني كنت مهتمًا بالكيفية التي أوصل بها أفكاري إلى الناس.

أتحدث في التدوينة القادمة بإذن الله عما استفدته من هذه التجارب، وكيف وظفتها في مساعدة الأطفال على تعلم واستكشاف اللغة.

المصادر

التصنيفات التعلّمالوسوم , , , ,

رأي واحد حول “أفكار في تعلُّم واستكشاف اللغة (2)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه:
search previous next tag category expand menu location phone mail time cart zoom edit close